top of page

ومازالت الاندلس تمنحنا دروسا

  • Writer: عبير مبارك
    عبير مبارك
  • Dec 29, 2018
  • 3 min read

الجمعة, 10 يونيو 2016

قمة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، والبابا فرنسيس بابا الفاتيكان تحمل في طياتها تأكيدا عمليا على أهمية تقوية أطر الحوار بين القادة الدينيين للرسالات السماوية وتوسيع أرضية التفاهم حول القيم السامية المشتركة بينها، كما أنها تبعث برسالة واضحة لنبذ كل أنواع الغلو والتشدد والتعصب والفكر الظلامي المتطرف، نموذج حي للعالم للتعايش والوئام والسلام والسماحة والتسامح.

التنوع في أنماط الممارسات الاعتقادية وتباين الطقوس العقائدية وتغاير التجليات السلوكية تنوع ايجابي فيه ثراء، يدفع الى جعل الوفاء بالحاجات النفسية والعقلية والوجدانية والاجتماعية والحضارية واقعاً مرئياً وخياراً متاحاً أمام القدرات والكفاءات. اختلاف الأديان واحد من أهم روافد التنوع قد تختلف في طقوسها وفي تمثلاتها الرمزية، إلا أنها تشترك جميعها في تجسيد القيم الأساسية لتعايش المجموعات البشرية على أسس الاحترام والمودة واحترام الاختلاف، لذا بات واضحاً أهمية التسامح الديني كونه ضرورياً ضرورة الوجود نفسه.

ولا شك أنّ حوار الحضارات والأديان هو اليوم أكثر من أي وقت مضى هدف أساسي للمجموعات البشرية باعتباره حوارا مثريا يتجاوز مفهوم الهوية المنغلق الضيق، الاختلاف ثراء حضاري، والتنوع انفتاح فكري على الآخر. دون أن ننسى أن تراث البشر جميعا حاضر في حياتنا اليومية ومؤثر في رؤانا الثقافية متذكرين أن القيم المشتركة بين المجموعات البشرية هي أساس تعايش البشر.

الطبيعة التأصيلية للتنوع الثقافي تعزز القيم الإنسانية المشتركة المستمدة من المبادئ الدينية، والمستوحاة من الثقافات والحضارات المتعاقبة.

إن الغاية من اختلاف الناس الى شعوب وقبائل وتنوعهم الى ثقافات ومدنيات انما هو التعارف لا التناكر، والتعايش لا الاقتتال، والتعاون لا التطاحن، والتكامل لا التعارض. إن قيمة التسامح الديني تتمثّل في كونه يقتضي التسليم بأنه اذا كان لهؤلاء وجود فلأولئك وجود، واذا كان لهؤلاء دين له حرمته فلأولئك دين له الحرمة نفسها، واذا كان لهؤلاء خُصوصية ثقافية لا ترضى الانتهاك فلأولئك خُصوصية ثقافية لا تقبل الـمَس أبداً.

التسامح الديني أرضية أساسية لبناء المجتمع المدني وارساء قواعده، فالتعددية والديمقراطية وحرية المعتقد وقبول الاختلاف في الرأي والفكر وثقافة الإنسان وتقدير المواثيق الوطنية واحترام سيادة القانون، خيارات استراتيجية وقيم إنسانية ناجزة لا تقبل التراجع ولا التفريط ولا المساومة، يقوم على الفهم في أدنى مستوياته المطلوبة لجوهر الأديان.

التسامح الديني يجب أن ينتقل من التسامح بين أبناء الدين الواحد، الى التسامح بين أبناء الديانات المختلفة، وانه يجب ألا نستبعد إنساناً أياً كان عمله أو وظيفته لأنه وثني أو مسلم أو يهودي- لوك.

إن الأديان جاءت لتوحيد الناس على المحبة لأن الناس أخوة، وفهم الأديان والتعامل معها بشكل ايجابي سيقودهم الى العلم والتطور بدلا عن الجهل والحروب، وما محاولة ربط الاديان بالاعمال الإرهابية والتخريبية ناتج عن قصر نظر في فهم الحقائق على الارض لأن الغرب ليس مسيحياً بالمعنى العقدي والأخلاقي، والشرق ليس إسلامياً بنفس المعنى.

وما أسماه الغرب قديماً وحديثاً بالحروب الصليبية لم يكن في مضمونه وأبعاده إلا توظيفاً سياسياً للوجدان الديني من أجل أغراض سياسية واستعمارية نجد مثيلاتها في تشويه صورة الإسلام في كثير من المجازر التي ارتكبت باسم الإسلام والإسلام بريء منها.

التسامح الديني يسحق التطرف بكل أشكاله وللنظام التعليمي دور كبير في نشر الكراهية بين الناس عبر تلقينهم بأنهم هم وفقط هم من على حق وصواب والباقي على باطل ويجب أن يكون النظام التعليمي في كل العالم أكثر تسامحاً وتشجيعاً للجيل الجديد على تقبل الآخر مثلما هو دون أن يعني ذلك تبني عقيدته.

عرفت الأندلس تاريخا متميزا في كل مظاهر العيش صغيرها وكبيرها، فتحمل الأندلسيون على اختلاف أصولهم وعقائدهم مسؤوليات تدبير أمور الحكم، وتلاقوا في مجلس العلم معلمين ومتعلمين، وكتبوا فيما هو عام، يحدوهم حب العلم، ويسعون الى نشر آثاره، أو فيما هو خاص، ينورون به عقول ذوي المعتقد كل في نحلته، ويهدونهم السبيل، وتنافسوا في سبل العيش في الأسواق، ونهضوا بشأن التجارة، وزرعوا الأراضي، وغرسوا الجنان، وهذبوا البساتين، وحفروا الآبار، ونظموا الري، ورفعوا البنيان، وتساكنوا وتجاوروا. نسجوا نسجا حضاريا مختلف الألوان، منسجم التركيبة، مشاركة انمحت فيها الخصوصيات، الدينية والعرقية، توارت فيها الأنانيات، والعصبيات، زمن كان كافيا لبناء مجتمع يعتبر بحق بما صنع العلم والرجال المثال، الذي يجب أن نضعه دوما نصب أعينا - أحمد شحلان.

ومازالت الاندلس تمنحنا دروسا.


 
 
 

Recent Posts

See All
الكتاب.. في معرض الكتاب.

الكتاب ينأى بنا عن ضجيج الحياة يأخذنا حيث الهدوء والخيال والحكمة والتفكر والراحة يفتح الافاق في عقولنا ويزيل الجهل. رحلة جميله إلى عالم...

 
 
 
اقتصاد الترفيه والسعادة المجتمعية

يتألف الاقتصاد من أربع قطاعات أساسية هي: القطاع الأول كالزراعة والصيد والتعدين، والقطاع الثاني التصنيع، والقطاع الثالث الخدمات، والقطاع...

 
 
 
بلدية الكويت.. بعد التحية

الزراعة المنزلية اتجاه بدأت تتبناه الكثير من المدن التي تفكر بالمستقبل، وهي إحدى الممارسات التي تعود على الفرد بالعديد من الفوائد، من حيث...

 
 
 

Comments


Post: Blog2_Post
bottom of page