مبارك عليكم الشهر
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 3 min read
الأحد, 05 يونيو 2016
نستقبل ضيفاً عزيزاً غائباً لا يفد إلينا إلا مرة في العام، يزورنا فنكون له أشد حبا وشوقا، ضيف تخفق بحبه القلوب، وتتطلع الأعين لرؤية هلاله، وتتعبد النفوس المؤمنة ربها بذلك، إنَّ الله رفع قدر هذا الضيف في القرآن، وعلى لسان النبي العَدنان «صلى الله عليه وسلم» فجعل الخير كله فيه، في أوله ووسطه وآخره، قال تعالى: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيِّنات من الهدى والفرقان». رمضان نفحة إلهية تهب على العالم في كل عام مرة، وصفحة سماوية تتجلى على أهل هذه الأرض فتجلو لهم من صفات الله عطفه وبره، ومن لطائف الإسلام حكمته وسرّه، فينظر المسلمون أين حظهم من تلك النفحة، وأين مكانهم في تلك الصفحة . من الخطأ الاعتقاد أن رمضان شهر للراحة والكسل، والخمول والنوم الطويل، شهر تتوقف فيه كل المهمات، وتتعطل فيه كل الأعمال، وتتأخر فيه كل الواجبات، وتؤجل فيه كل المشاريع، شهر يرتبط في الأذهان بالتعب وانعدام القدرة والتسويف، هكذا صارت علاقتنا برمضان وفكرتنا عن رمضان مع الاسف. رمضان ياسادة مستشفى زماني يجد فيه كل مريض دواء دائه، يستشفي فيه مرضى البخل بالإحسان، ومرضى البطنة والنعيم بالجوع والعطش، ومرضى الجوع بالشبع والكفاية . في رمضان يتعانق صفاء الروح مع قوة الإيمان، فتكون المحصلة عزيمة بلا حدود، وإرادة تكسر كل الحواجز، وقوة تحقق المستحيل، وشجاعة تبدد كل الهواجس، وجسارة تتحدى كل العوائق، وإقدامًا يحصد النصر. تحلق النفس البشرية المتحلية بالإخلاص والتقوى في آفاق الإيمان والقرب من الرحمن، فتكون المحصلة ارتفاع الروح المعنوية التي تدفع النفس دفعًا إلى العمل بلا كلل، والقفز فوق العقبات بلا ملل. شهر جميل تتخلى النفس البشرية عن أمراضها ووساوسها، فتبقى قوية نقية طاهرة صابرة، تتحلى بالإيثار والحب، وتتزين بروح التعاون والقرب، والاهتمام بالالتزامات الوظيفية أو الاجتماعية، بل إنه شهر نشاط وحركة، وجدٍّ واجتهاد. حين تقول رمضان كريم فكن كريما في حياتك ! رمضان شهر التجليات الرحمانية على القلوب ينضحها بالرحمة، وينفح عليها بالروح، كأعواد الربيع نضرة وخضرة، ولحكمة ما كان قمريًا لا شمسيًا ليكون ربيعًا للنفوس، متنقلاً على الفصول، يروّض النفوس على الشدة في الاعتدال، وعلى الاعتدال في الشدة. يحرك النفوس إلى الخير يسكنها عن الشر، وهذا كله كافٍ لكي ينفض عنا غبار الكسل والخمول، ولكي نفهم شهر رمضان الفهم الصحيح، ونتعامل معه التعامل اللائق، ليكون بحقٍّ شهر الإنجاز والعمل لا شهر الكسل والملل. فرحت القلوب والأرواح بقدومه، استقبلنا وافد عزيز، لم يكن الشعرغائباً في استقباله، بل كان الشعراء وهم من أرق الناس شعورا ومن أرقاهم خيالا يستعدون بقوافيهم احتفاءً به، ومسرحا لخيالهم الشعري الذي يهيم وراء كل معنى جميل، جاء رمضان وجاءت لياليه وذكرياته، فأهلا رمضان. على الدعاة إلى الحق والوعاظ المذكرين وخطباء المنابر أن يحيوا آداب الصوم في نفوسهم، ثم يذكّروا الناس بها حتى تحيا في نفوس الناس ساكنة تتقي الله في نفسها والآخرين. لنحاسب أنفسنا بهذا الشهر الكريم، وكن أكبر رابح بوصل أرحامك وأنت الخاسر الأكبر باستمرار القطيعة، لن تعذر ولو كان أرحامك هم المعتدين المتجاوزين، لن تعذر بكف الأذى عنهم مع قطيعتهم. رمضان شهر التأمل والتفكر، شهر الإحسان والتراحم، والشهر الذي يفكر فيه الناس بمن هم أقل حظاً وعلينا ألا ننسى بشكل خاص المعاناة المروعة في سورية والعراق واليمن التي ابتلي بها كافة الناس هناك، ونفكر بشكل خاص باللاجئين السوريين الذين يصومون رمضان في مختلف بقاع الأرض بعيداً عن أهلهم وأصدقائهم وبلادهم وذكرياتهم، علينا ألا ننسى عزيز قوم ذل في زحمة رمضان. لأنه شهر الخير فلابد من التعامل معه على أنه مصدر الخير كله، فالله يبعث فيه الحب والحنان، ويملأ الكون بأجمل المعاني التي تجمع البشر سوياً على الخير والمحبة، أعاده الله علينا وعليكم وعلى وطننا العزيز بالخير والرفعة. «مبارك عليكم الشهر وتقبل الله منكم صالح الأعمال».

Comments