ما خاب من توكل على الله
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 3 min read
الأحد, 22 مايو 2016
من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبدا، وسوف يرى الدنيا أياما يداولها الله بين الناس، الأغنياء يصبحون فقراء والفقراء ينقلبون أغنياء، وضعفاء الأمس أقوياء اليوم، وحكام الأمس مشردو اليوم، والقضاة متهمون، والغالبون مغلوبون، والفلك دوار والحياة لا تقف، والحوادث لا تكف عن الجريان، والناس يتبادلون الكراسي، ولا حزن يستمر، ولا فرح يدوم. كلمات جميلة من كتاب «من أميركا إلى الشاطئ الآخر» للدكتور مصطفى محمود. أحداث تتوالى أمام عينيك أو تسمعها أو تلمسها، أحداث تتسارع، تنتظر بعضها، ويفاجئك البعض الآخر، تدعوك إلى مراجعة الذات، وإعادة قراءة موقعك في الحياة والتروي والتأمل، إلى صغر حجمنا وهشاشتنا مهما علا ضجيجها وكثر صخبها. قرأت لأحد كتاب الزوايا الدكتور فهد الدوران يقول: «كنت جالساً مع ذلك المتغطرس والذي لا ينظر لمن هم دونه إلا كحشرات طائرة وبعوض يقتات على فضلات الدماء يستطيع بقوته وبحركة واحدة تشتيتهم وتفتيتهم متناسياً تلك الحقيقة ان لكل آفة آفة، وما هي إلا لحظات ودخل عليه ذلك الصعلوك في هيئته والذي يخفي داخله شجاعة الأسد الهصور والذي اسمعه واسمع من حوله حقيقته وذلك من خلال تبصيره بضآلة حجمه وتفاهة منصبه صادماً اياه بتلك الكلمات المعبرة والتي ختمها بقوله تعالى «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإكْرَامِ» . كم هي صغيرة هذه الدنيا قليلة مهما كثرت، وحقيرة مهما عظمت، لا حال يدوم ولا وضع يثبت ويستقر!! حكمة إلهية نتأملها ونتعلم منها أن الحياة دولاب دائر، رحى دايرة دورات تليها دورات تلمس الناس، والمجتمعات والدول والحضارات «وتلك الأيام نداولها بين الناس» الكل متغير بين ارتفاع وهبوط، وعظمة وحقارة، وصغر وكبرلا يبقى إلاّ الله . ليس هناك حال يدوم للأبد، فالجمال قد يخف بريقه يوما، والكريه قد يتلون ويصبح جميلا فأحوال الدنيا متغيرة كدوران الأرض كل يوم بحال وكل يوم موقف وكل يوم يولد جديداً ويموت قديماً! وبالطبع فمسألة دوام الحال، كما قيل، من المحال، وهي متغيرة، إما أن يخسر الإنسان ماله فيفقر، أو يهرم ويسقم فينشغل عما لديه، أو يأتي من يسلب منه ملكه استلاباً ويأخذه عنوة، وشواهدها كثيرة رأيناها في السنوات الاخيرة. رزق يطرق بابك بعنف أحياناً وبمشيئة لا تفهمها وغيرك يبحث عن لقمة عيش ومكان بين الأحياء، راحة ضمير وبال ترافقك وغيرك يبحث عنها أحياناً ولا يصل إليها، تلك هي الدنيا تتهادى بين ظلال ممدودة وواحات خضراء، وبين صحراء قاحلة. ومع أن السقوط مهما كان مريراً، إلا أن بعضه أخف وطأة من بعض، فلو نظرنا إلى سقطة البرامكة وكيف نكل بهم «هارون الرشيد» حيث قتل «جعفر بن يحيى» وصلبه وسجن أباه وأخاه وصادر أموالهم، إلا أنهم كانوا قد صنعوا من المعروف ما حفظه لهم الناس حتى بعد سقوطهم واستلاب أملاكهم، ومنه قول الشاعر الرقاشي يرثي «جعفراً» وهو من أجمل ما قيل في الرثاء حيث يقول: أمـــا والله لولا خوف واشٍ وعين للخليفة لا تنـــــــامُ لطفنا حول جذْعِك واستلمنا كما للناس بالحجر استلامُ وقد أغضبت تلك الأبيات «الرشيد» حتى وصل به الأمر إلى استدعاء «الرقاشي» وسأله كم كان يعطيك جعفر؟ فقال: ألف دينار كل سنة، فأمر له الرشيد بألفي دينار. فالحال متغير لا محالة «وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس»- سورة آل عمران. الملك زائل، والشباب إلى شيخوخة، والعافية إلى سقم، دنيا لا يأمنها إلاّ غافل، ولا يأنس لها إلاّ جاهل، من أمنها باغتته، ومن ركن إليها لفظته، ومن اغتر بها فاجأته، مسكين طالبها دون قيم ومبادئ، فقير الساعي إليها دون رقيب، خاسر المهرول نحوها دون هدف، أجيال تتعاقب وأعمار تتقدم ومصير يتوحد وأعمال تترنح، مشاريع تبنى في العقول، وأحلام تعاش وآمال تبنى، ومواقف وممارسات وتنظير وأطماع. تعامل مع الحياة ولا تدعها تهزمك فهي لن ترحمك ولن تقف عليك او على غيرٍك خذ بالاسباب، لا ثبات في الدنيا فالحياة متغيرة دوما، فلا تحمل هم يومك لغدك، فالغد قطعا مختلف، فاعقلها وتوكل وما خاب من توكل على الله.

Comments