top of page

ليس في زمن العجائب عجب

  • Writer: عبير مبارك
    عبير مبارك
  • Dec 29, 2018
  • 3 min read

الثلاثاء, 11 أبريل 2017

في زمن تطالعنا فيه بشكل يومي صورة قاتمة عن جرائم بحق الإنسانية وأخبار لا تخلو من الاقصاء والالغاء والتكفير، وجرعات يومية من الشحن الطائفي تؤكد على تزايد حالات التطرف وتهدد نسيج الوحدة والتعددية، اسـأل نفسي يومياً: هل أصبح ارثنا الإنساني مهدداً؟ هل بات التطرف وحدة الخطابات والسياسات الالغائية تؤسس لمناخ عام ينشر ثقافة العداء والكراهية؟ هل غابت إنسانيتنا؟ زمن غاب فيه الحق، والظالم صار مظلوماً والمظلوم صار ظالماً. زمن أصبح ميلاد طفل شهادة وفاة. يسألني جدي بالأمس بعد نشرة الساعة التاسعة مساء: يا بنتي هل تغيّر الزمن أم نحن الذين تغيّرنا، قالها وبحرقة، وتألّم كثيراً. يا جدي، الزمن مثل ما هو، السنون كما هي بفصولها الأربعة، وما زال أسبوعنا سبعة أيام، وهناك ليل ونهار، وشمس وقمر، والشتاء بارد والصيف حار، لكن البشر تغيروا يا جدي، اصبحوا لا يوقرون كبيراً، ولا يرحمون صغيراً ولا ضعيفاً، تغيّرنا عندما كدسنا دور العجزة بالآباء والأمّهات بلا رحمة ولا كما ربياني صغيراً، تغيّرنا عندما أصبحت الأخوَّة كرهاً وحسداً، والجمعات مكروهة في بيت واحد، تغيّرنا لما نخحل من ثياب الفقير والبسيط، وتوقير الغني راعي الماركات والبنتلي والمرسيدس وهو سارق، تغيرنا بعد أن أصبحت أعيادنا بلا تراحم، ولا تزاور، ولا تواصل، تغيّرنا بأن بتنا لا نعرف الجار وان أوصينا بسابعه، تغيّرنا حينما أصبح السؤال عن الوالدين فضلاً ومنّة، وزيارتهما مناسبة، تغيّرنا حينما أصبحت بعض الصداقة مصلحة، والنّفاق شطارة، والحسد عادة جميلة، تغيّرنا بأن تفرّقنا مذاهبَ ومِلَلاً، نتراكض إلى الجنّة وكل يدفع بالآخر ليلقيه جهنّم وهو الفائز الوحيد، تغيّرنا بعد أن أصبح ثمن الرصاصة كلمة تكبير، وقيمة الإنسان اسمه لأيّ دين أو مذهبٍ يعود، تغيرنا بعد أن اصبح دم الإنسان رخيص، والأخ يقتل أخاه من أمه وأبيه باسم الدين ولأنه خالفه الرأي، تغيرنا بأن رحل كبارنا مع كل البَركة التي ترافقهم، وأصبح شبابنا ضائعاً لا قيمة له الا بنزول بنطلونه، وقصّة شعره، وتاتو يملأ جسمه، تغيرنا بعد غابت الأسرة والمدرسة وضاع الأبناء، تغيّرنا بأن وصلنا إلى حال أنَّ الدمعة لا تكسرنا، وأنَّ الشكوى كلُّها مذلة، تغيّرنا كثيرًا كثيرًا، تغيّرنا لأننا لا نعرف من نلوم. الزمن أم نحن؟ لكن الزمن ما زال يجود بصباحه. وليس في زمن العجائب عجب، يا جدي؟ فلم نكن نتخيل اننا سنصحو لنعيش يوماً نشهد فيه مثل هذه الكوارث والمآسي وحالات الجنون ومشاهد الدمار والقتل والسحل والصلب وقطع الرؤوس وتعليق الجثث في الشوارع والترويج للإرهاب والعنف وسقوط الدول وسيادتها من دون ردع ولا حساب. في زمن الحروب تباد الطفولة وتعدم، ويهدر دمها دون ذنب يذكر تصبح جثثاً لا حراك فيها ولا انفاس، اطفال حرموا الحياة وهم ما زالوا ازهاراً تتفتح، وما زالت اكبر احلامهم امتلاك لعبة يلهون بها ها هم ناموا في سبات عميق، عزاؤنا الوحيد ان بانتظارهم جنة يلهون بها كما يحلو لهم دون فزع أو خوف دون احقاد تتربص بهم ابتعدوا بأجسادهم الطرية وارواحهم الطاهرة عن الايادي المجرمة التي لا تعترف بطفولة ولا براءة، تعترف فقط بالقتل والابادة واراقة الدماء، وجع ليس مثله وجعاً، وجراح نازفة فمتى يقف نزفها. أطفال لا ذنب لهم في هذه الدنيا الا ذنب المجيء إلى الحياة في زمن لا يصلح للأحلام، ولا يتلطف بالأبرياء، زمن يجعل من الميلاد غلطة ومن تجارب الطفولة عبرة فائقة الوجع، لذا نرى كيف يتسابق الأطفال على توديع مسرح الحياة واحدًا تلو الآخر، وآلاف تلو الآلاف. بعضهم يتوقف به النبض تماما، وبعضهم يموت به الأمل، وآخر تموت به البسمة من شدة التجارب، وتتوه به الأيام في الفزع وفي اللجوء المستمر، والصغار وحدهم من يدفعون ثمن الوجود على صفيح واقعنا الساخن، وعلى جحيم صراعات وأطماع الكبار، وحدهم من يستهلون أعمارهم بميلاد إلى فم الموت، أو فم الشتات والملاجئ، أو فم البحار والمحيطات، أو فم الاسماك وجبة غذائية كاملة الدسم، وهذا هو الوجع الذي سلب البراءة راحتها، وأعطى الصغار خيبتهم، وكفّنهم على أكثر من فجيعة عزاء. طوينا صفحة الإنسانية، فباتت الوحشية هي السائدة، إنسان ظالم يقتل إنساناً بريئاً، كل ذنبه انه خلق إنساناً يريد ان يحيا بسلام رحمكم الله اطفال سوريا واليمن والعراق ونساءها وكل من اراد الحياة وحرم منها، ستحفكم الملائكة بأجنحتها إلى السماء وليس في زمن العجائب عجب، يا جدي.

 
 
 

Recent Posts

See All
الكتاب.. في معرض الكتاب.

الكتاب ينأى بنا عن ضجيج الحياة يأخذنا حيث الهدوء والخيال والحكمة والتفكر والراحة يفتح الافاق في عقولنا ويزيل الجهل. رحلة جميله إلى عالم...

 
 
 
اقتصاد الترفيه والسعادة المجتمعية

يتألف الاقتصاد من أربع قطاعات أساسية هي: القطاع الأول كالزراعة والصيد والتعدين، والقطاع الثاني التصنيع، والقطاع الثالث الخدمات، والقطاع...

 
 
 
بلدية الكويت.. بعد التحية

الزراعة المنزلية اتجاه بدأت تتبناه الكثير من المدن التي تفكر بالمستقبل، وهي إحدى الممارسات التي تعود على الفرد بالعديد من الفوائد، من حيث...

 
 
 

Comments


Post: Blog2_Post
bottom of page