كن قوياً... وتسامح
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 3 min read
الأحد, 20 نوفمبر 2016
في السادس عشر من نوفمبر الحالي، احتفل العالم باليوم العالمي للتسامح، تحتفي به الأمم والشعوب والمجتمعات من أجل ترسيخ قيم وثقافات التسامح والاحترام والتآخي، ونبذ كل مظاهر التعصب والكراهية والتمييز وتكريس مبادئ السلم العالمي والإخاء المشترك والحوار الجاد بين مختلف الثقافات والحضارات البشرية. التسامح ثقافة غابت عن مجتمعاتنا اليوم مع اجتياح الفكر المتطرف والتمييز الديني والمذهبية، فقد غاب التسامح مع غياب عقول التنوير وسيادة عقول الظلال والظلام. إن التسامح واللاعنف في علاقتنا البسيطة بما حولنا ومع غيرنا يصنع خطواتنا بكثير من النجاح والنزاهة والعدل وتتسع دائرة مداركنا فتتقلص مساحة الجهل بالآخر ويزيد تعميق تجاربنا بما يحقق الكثير من النجاح. وتهدف منظمة الأمم المتحدة من إقرارها لهذا اليوم العالمي للتسامح إلى إعلاء قيمة التسامح بين جميع البشر على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم وعرقياتهم، وذلك من أجل تحقيق حياة أفضل للإنسانية التي تحتاج إلى السلام والأمان والاستقرار وهي مضامين أساسية وضرورية وملحة تؤسس لإشاعة قيم التسامح وقبول الآخر والاحترام المتبادل بين الأمم والشعوب والمجتمعات. وقد نص إعلان مبادئ التسامح الأممي الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة على أن التسامح في جوهره هو اعتراف الإنسان بحقوق الآخر، فقد ارتبط مفهوم التسامح باللاعنف فكأن التعصب المصدر الحقيقي للعدوانية والشر. إن الدعوة إلى التسامح أصبحت ملحة وشائعة في مجتمعاتنا الخاضعة لصراعات عرقية ـ ثقافية، أو طائفية، أو سياسية، يميل الناس فيها بالطبع إلى أن يتجهوا بأبصارهم نحو التراثات الفكرية الراسخة لكي يعثروا فيها على أسس تحترم هذا المفهوم «أي مفهوم التسامح» وتبرره. ونحن لا نعلم ما إذا كان هذا المفهوم يعني فضيلة أخلاقية أو وازعاً فكرياً أو يلبي حاجة سياسية ما داخل مجتمعاتنا. التطرف الديني الذي يقوم في الاساس على نهج تنعدم فيه كل أنواع التسامح ويستمد قوته من إقصاء الآخر وتهميشه وجعله مجرد آلة معدومة الاحساس والمشاعر الانسانية ويتم تسييره بالشكل والصورة التي تقتضيها مصلحة المتطرفين، يبدو واضحا جدا أن الحل والعلاج الأنجح لمواجهة التطرف الديني يكمن في اسلام ديمقراطي معتدل مبني على التسامح والتعايش السلمي، ويبدو ان العالم قد بدأ بالانتباه لهذه الحقيقة. عندما يسود التسامح والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع، فانه يؤدي بالنتيجة إلى ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل بين الأديان والطوائف والمذاهب، والتعايش والحوار العقلاني البعيد عن التعصب والكراهية، كما يؤدي إلى ترسيخ احترام حقوق الإنسان وحرياته العامة والانفتاح بين الثقافات والحضارات، وبالنتيجة تحقيق التوافق الاجتماعي وتحقيق المكاسب المشتركة للمجتمع، ذلك أن سيادة ثقافة التسامح والابتعاد عن التعصب ومصادرة الرأي الآخر، تفسح المجال أمام أفراد المجتمع للتوجه نحو تحقيق غاياتهم المشتركة، والتوجه نحو بناء الوطن، من جهة والاستفادة من مقدراتهم الفردية ومن مقدرات الوطن من جهة أخرى، لما يخدم الصالح العام. إن غياب التسامح يسبب كثيرا من المشاكل ومعوقات المجتمع وتأخير نموه وصولا إلى التعصب والتطرف لأن غياب التسامح الديني يعني النزعة إلى إلغاء الآخر، وإلغاء ثقافته وعقيدته وفكره وقناعته، فنزعة إلغاء الآخر لدى بعض المغالين دينيا تجاه ذوي الأديان الأخرى أو المذاهب الأخرى خلقت مع غياب تسامحهم وعدم قبولهم بالآخرين وحريتهم، الامر الذي تقرع معه اجراس الخطر لأن تراكماته في آخر المطاف تؤدي إلى نشوء تيارات متشددة ارهابية ونشوب نزاعات وحروب أهلية كالتي نشهدها الآن في بعض الأوطان العربية والاسلامية. التسامح يُمثل القيمة الإنسانية الرائعة التي تحمل في طياتها الاحترام والتقدير والقبول بالتنوع الثقافي والفكري والعرقي للآخر، مهما كان هذا الآخر، إضافة لتعزيز ثقافة الاختلاف باعتبارها واجباً أخلاقياً وسياسياً وقانونياً، اليوم ما أحوجنا لأن تُشاع ثقافة التسامح في منازلنا ومدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا وإعلامنا وفي كل تفاصيلنا، لأن التسامح فضيلة تستحق أن نتحلى بها جميعاً لما تحمله من معانٍ سامية وقيم راقية. من أجمل ما قرأت تلك الكلمات «قد يرى البعض أن التسامح انكسار، لكنهم لا يعرفون أن التسامح يحتاج قوة اكبر من الانتقام... فكن قويا وتسامح».

Comments