صناعة الجنون
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 2 min read
الأربعاء, 20 أبريل 2016
كل شيء يصير معنا في الحياة نسخره للخوف والألم، نحن تربينا على الخوف من كل شيء، الضحك نخاف منه، الفرح والسعادة لا نصدقها، الواحد منا يخاف اذا ضحك يوماً من قلبه فيقول «الله يسترنا ويعطينا خير هذا الضحك».
وبعد أن يضحك الجميع لسبب معين يظلون طول الوقت يفكرون في العقوبة أو ما سيحدث من أمر سيئ، وأصبح موروثاً يورث جيلاً بعد جيل، أباً عن جدّ، ومنذ الأبد، لا نصدّق وعود السعادة. جميعنا في حالة رعب.
«اللهم اجعله خير»، «والله أنا خايف ضحكنا كثير» أو «الله يعطينا خير هذا الضحك» أو بما معناه، وكأن الضحك سوف يسبب شراً ويأتي الدعاء لدرء ذلك الشر أو تعويذة ضده.
يا ترى الضحكة من القلب أصبحت صعبة المنال في زمن المآسي والأحزان والكذب والتصنع والخداع والاقنعة الزائفة، والأخبار العاجلة، مجرد ابتسامات لا طعم ولا لون لها ترتسم عنوة على وجوهنا نخفي من ورائها مشاعر الحزن والأسى واليأس التي نمر بها، أم أصبحنا لا نصدق أنفسنا حين نضحك وامكانية أن نضحك من القلب ونقهقه حتى تدمع أعيننا من القهقة، ونسمع من يقول: «قلبي راح يوقف من الضحك».
يا ترى هل في كلّ فرحٍ مكيدة، وفي كلّ ضحكة أو سعادة وفرحة قادمة، قنبلة عنقوديّة ستنفجر لاحقاً، وتتطاير اثرها أحلامنا. وكأننا أطفال نلعب مع الضحك والفرح لعبة «صيدة مصيدة»، وكأنه أحد الأشخاص يكيد لنا ويموت قهرا كلما رآنا سعداء، وكتب علينا الحزن والبكاء والخيبات والحروب مما يتطلب من شركات التأمين تقديم خدمة «التأمين ضد الضحك» لكل مواطن عربي.
أذكر أن أحد المتصوفة لم يبتسم أو يضحك أبداً في حياته، وعند موته جاؤوا اليه يغسلونه فوجدوه مبتسماً مشرق الوجه، وفي ذلك عظة أنه فرح بلقاء ربه ولو أنه لم يبتسم طوال حياته من شدة ورعه.
هل أصبح الضحك عدواً لنا يكيد لنا؟
والمطلوب تحصين أنفسنا منه، وأصبحنا لا نثق بمستقبلنا، والتشاؤم هو رفيق الدرب، وعسى الله يخيب ظنوننا وتوقعاتنا. في قمة سعادتنا، نبدو كالجالس ضاحكاً على عرش خساراته. لا ندري كيف ندفع عنّا أذى الفرح.
هل بمصادقته أم بالكيد له؟ خيانته سراً مع الحزن أم بالاخلاص له؟، والاستقالة من حزب البائسين والمكتئبين من العرب، هل أصبح الضحك قناعا نواجه به الاشخاص نلبسه كل صباح ونخلعه كل مساء مثقلا بالابتسامات المزيفة؟ هل أصبحت العيون الحزينة، والعبوس يعلو الوجوه سمة المواطن العربي؟
ترى هل نحاول خداع أنفسنا أم خداع الآخرين؟
هل أصبح زماننا الذي نعيشه يفرض علينا التحايل حتى بالابتسامة والضحك؟
في تاريخنا وتراثنا مآس كثيرة وهزائم وحروب وصراعات مؤسفة، وفيه بكاء على الأطلال وعلى الأمجاد الغابرة، وفي عصرنا الحالي تخلف وتطرف وقتل ومرض وحروب إسلامية إسلامية، داعش والذبح الإسلامي وفق الشريعة الإسلامية «وعلى عينك يا تاجر»، ننام على خبر عاجل ونصحو على خبر عاجل، وعدم استقرار ومشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية متنوعة تعيشها أمة العرب. وكل ذلك يمكن أن يشكل استعداداً للاكتئاب، كما يمكن له أن يؤسس لثقافة سلبية وسلوكيات مضادة للحياة وأفراحها، لا نرى الدنيا الا من خلال النظارة السوداء.
لماذا أصبح الضحك ذنباً وليس فرحاً وسعادة وتفاؤلاً بالقادم الأجمل؟
الاجابة سهلة لأننا نمتلك أكبر مصنع لصناعة الجنون، وتصدير الجنون للعالم.
فالصناعة الثقيلة الوحيدة في الوطن العربي هي صناعة الجنون.
الناس أصبحت مجنونة في كل شيء.
من أجمل ما قرأت:
الله يجعل ضدّها خير وأنعام
الضحك والمزحات ماهي بدايم
راحت على ناس شغاميم وأكرام
بيض الوجيه معصّبين العمايم

Comments