شم النسيم وربيع نفوسنا
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 3 min read
الإثنين, 17 أبريل 2017
«الورد جميل.. جميل الورد الورد جميل وله أوراق.. عليها دليل من الأشواق إذا أهداه حبيب لحبيب.. يكون معناه وصاله قريب شوف الزهور واتعلم بين الحبايب تتكلم». كل عام يلتف المصريون بجميع أطيافهم ليحتفلوا بأعياد الربيع أو «عيد شم النسيم»، احتفال تتناقله الأجيال عبر الأزمان والعصور، بطقوسه وعاداته وتقاليده التي لم يطرأ عليها أدنى تغيير منذ عصر الفراعنة وحتى الآن. وارتبط الاحتفال بشم النسيم في مصر بالفسيخ والرنجة والأسماك المملحة والمدخنة حيث ينتظره الكثيرون للتعبير عن فرحتهم بقدوم الربيع، إذ يشعر فيه الانسان بالفرح والسعادة نتيجة مشاهدة الأزهار الملونة والاستمتاع بالهواء الطلق المنعش، فيتحول الاحتفال بشم النسيم وعيد الربيع إلى مهرجان شعبي يشترك فيه المصريون بجميع طوائفهم بأطعمتهم المميزة للاستمتاع بهذا اليوم في الحدائق والحقول والمتنزهات لاستقبال الشمس عند شروقها يحملون معهم أدوات اللعب للأطفال والآلات الموسيقية، وروائح الياسمين، والورد البلدي تفوح، ويحمل الأطفال البالونات الملونة بألوان الزهور، ويمرح الجميع على أنغام الناي والمزمار والقيثار ودقات الدفوف تصاحبها الأناشيد وأغاني الربيع، كما تجري المباريات الرياضية والحفلات الموسيقية في الأماكن العامة والميادين، وشط النيل يمتلئ بالقوارب التي تزينها الزهور وغصون الأشجار المثمرة، وقد نقشت على أشرعتها كلمات الترحيب والتهنئة بعيد الربيع. وها هي سعاد حسني تغني في كل مكان «الدنيا ربيع والجو بديع.. قفلي على كل المواضيع»، الربيع ها هو يزهر في كل مكان بأزهاره الملونة! لكن هل يمكننا أن نزرع ربيعاً دائماً في نفوسنا؟ وهل نستطيع أن نزهر كل يوم .. ونبتهج كل يوم؟ هل نستطيع ألا نعرف إلا الجمال في عالم تربت فيه أجيال على تقديس ما لا يعتبر مقدسا، والاستهانة بكل مقدس؟ لن نطمع أن تقوم بأي تغيير.. أجيال مدمرة العقول غيبها التطرف فأعمى قلوبهم وبصيرتهم ، لا يتوقع منها أن تصنع معجزة كسر صنم الإرهاب والتطرف.. نحتاج لتقويم اعوجاج أنفسنا أولا، وإعادة بناء المواطن الصالح صاحب العقيدة الصحيحة والحامل لمشعل التسامح والخلق الإنساني السوي.. نحتاج لمصالحة مع ذواتنا قبل المصالحة مع الآخر، نحتاج إلى اجتثاث التطرف الكامن فينا وفي أسرنا وفي محيطنا الصغير، قبل أن نطمح لتغييره في محيطنا الكبير، نحتاج إلى أن نعرف الله من خلال الآخر. لماذا لم يزهر الورد فينا؟ لماذا لم ينبت الورد منا؟ هل تحولنا لصحراء قاحلة؟ هل جفّت ينابيعنا ونخر السوس بذورنا؟ من أغلق معابر النور في قلوبنا وأطفأ الأنوارالمشرقة في نفوسنا؟ من سحق أزهارنا الندية قبل أن تعانق الشمس وتأتي بطيب الثمار؟ لماذا لم يزهر الورد فينا؟ فالأزهار تعيش في فصل الربيع، لا تأبه بالصيف القريب ولا تحمل همّ الخريف ولا برد الشتاء! مازال العالم جميل، والحياة حلوة رغم الضغوطات النفسية والاقتصادية والشحن الأيديولوجي ولكن ما ذنب أولادنا رأسمالنا في هذه الحياة ؟ بالطبع لا نستطيع أن نقدّم لهم مباهج الحياة وأطايبها على طبق من ذهب ولكن نستطيع أن نغرس فيهم ثقافة التسامح وقبول الآخر ونُعلّمهم أن ثقافة الحوار الأدبي والحضاري هي سلاحهم وزادهم الذي سيمنحهم القدرة على التحليق بدون أجنحة والإبحار بدون مجداف، نزرع فيهم الأخلاق الراقية والأفكار السامية، ونسقيها بعطر الإنسانية ونسكب عليها نور الشمس لتشرق في نفوسهم وعقولهم ملونة بألوان الطيف مبدعين تلتمس روحهم آلام الإنسانية وآمالها لكي يدركوا نعمة السلام ولعنة الخصام! عسى أن نجعل منهم زهورا ملونة ربيعية دائمة تعطر بنسيمها هذا العالم الصحراوي الجاف من الإنسانية والحب والتسامح! وهذا لن يحدث إلا حين يزهر الورد فينا ، وينبت الورد منا! وتنبت مزارع الخير والمحبة والتسامح في عقولنا وقلوبنا أولا ! جميل لو بقي الربيع في قلوبنا كل يوم طوال العام يزهر وينشر النشوة والسعادة على كل لحظة من لحظات حياتنا يغمرها بأمل مشرق واعد وأحلام غالية جميلة. اليوم العالم يحارب الإرهاب بالحياة، والمصريون يحاربون التطرف والارهاب بالاحتفال بعيد الربيع وشم النسيم.. كل عام وأنتم بخير يا مصريين... وأعياد ربيع سعيدة عليكم.

Comments