سيلفي القصبي كوميديا الوعي والفكر
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 3 min read
الثلاثاء, 21 يونيو 2016
المتابع للدراما التلفزيونية يجب أن يشعر بأن هناك رابطاً حقيقيا بين ما تحمله وتعرضه تلك الدراما وما يحدث في الواقع من قضايا وهموم مجتمعية، فمما لا شك فيه أن أحد أهم أهداف الدراما هو تسليط الضوء على قضايا المجتمع وما فيه من مشكلات تحتاج إلى دراسة وتوعية لأن تسليط الضوء عليها وكشف خباياها والتعرف إلى أبرز نتائجها ومعرفة افرازاتها وتجنبها فيها مصلحة مجتمعية عليا، وبما أن وسائل الاعلام تحديدا تعد عاملا مؤثرا في التأثير في الرأي العام وتوعيته لذا أصبحت الدراما وسيلة بل أداة مهمة للتأثير في الرأي العام وتوجيه مساره.
سيلفي مسلسل يطرح قضايا اجتماعية وإنسانية عدة، ويعالجها بأسلوب خاص جداً، فحيناً يلجأ إلى الكوميديا المباشرة، وأحياناً إلى الكوميديا السوداء، كما تأخذ بعض الحلقات بعداً درامياً عندما تقتضي الحاجة لذلك، شرط ألا تغيب الابتسامة. لا قيمة لأي عمل فني، ما لم يكن له أبعاده الإنسانية والاجتماعية والترفيهية، سيلفي يشكل محاولة للعودة إلى الكوميديا الاجتماعية الجادة، التي تضيء على واقعنا الخليجي والعربي، وتصوِب نقدها البناء على بعض مكامن الخلل في مجتمعاتنا، ومن خلال أبعاده الوطنية التي استعرضها القصبي وزملاؤه في بعض الحلقات أعطى للعمل قيمة أكبر واستعراض ما يهدد الوطن من اخطار ويعكر صفوه.
يخوض «سيلفي» سباق الدراما الخليجية الرمضانية هذا العام بموضوعات فكرية جريئة تتعلق بقضايا التطرف والإرهاب والتشدد الفكري والديني ولكن في قالب كوميدي ساخر، يحكي عن الأمور بمسمياتها، ويحاول تعريتها أمام الملايين، استمر بوعيه الثقافي معتقداً بأن الدراما هي جزء من الحراك الثقافي والاجتماعي العام وهو ما استمر في تكريسه من خلال مسلسل سيلفي هذا العام بجزئه «2». مواضيع مثل التطرف والتعصب والإرهاب باتت أموراً لا يمكن السكوت عنها أو تجاهلها، أو الحديث عنها بشكل موارب، لأنها تهدد أمننا وأمن مجتمعاتنا ودولنا، والعالم، وبات علينا القضاء على هذه الظاهرة من جذورها. خاصة بعد أن أصبحنا في عيون الغرب كعرب ومسلمين، إرهابيين وموردين الإسلام فوبيا لهم، والدين الإسلامي مصدر الإرهاب وهو براء من كل ما يتم الزج به من اتهامات، ولا يلام العالم حين يرانا هكذا عندما يستهدفون من قبل من يدعون أنهم مسلمون يقتلون الآخر تحت راية الإسلام والله أكبر، وهو مالم يفوّته ناصر القصبي نجم «سيلفي»، ولكن بشجاعة وذكاء وحكمة.
سيلفي القصبي نجح في الدخول في مواجهة مع الممنوعات الاجتماعية والخطوط الحمراء كقيادة المرأة للسيارة واثبات النسب وقضايا الاسكان والإرهاب والتطرف واخراجها من دائرة الظل إلى ساحة المناقشة على الشاشة ومواقع التواصل الاجتماعي، استطاع أن يكسر التابوهات من خلال المواضيع الحساسة والجريئة التي يطرحها بطريقة كوميدية تولد من رحم أكثر المواقف رعباً وأشدها يأساً وعنفاً، بحرفية كبيرة مشغولة بلغة خاصة لاتخلو من عنصر المفاجأة، ذلك العنصر المحوري في صناعة الضحك، حالة نقدية لأبرز التطورات الاجتماعية والسياسية في المنطقة الخليجية والعربية وبالتالي حصل على اهتمام نقدي شديد توزعت آراؤه بين السلب والايجاب.
على سبيل المثال حلقة «على مذهبك» تدور حول عائلتين قامت ممرضة بتبديل طفليهما الحديثي الولادة فأعطت العائلة السنية الطفل الشيعي، والعكس أيضاً، وتكتشف الخطأ بعد مرور أكثر من ربع قرن. ليعود كل من الشابين إلى أهله، ويصدم بحواجز الاختلافات الطقوسية والعادات والتقاليد، والشكل والملبس، لكنهما ينتبهان إلى أنهما أخوان بالرضاعة، جرأة الطرح صنعت حالة من الرضى اجتمع فيها السني والشيعي، بعد أن استعرض التعصب المذهبي، وأثره على الحياة الاجتماعية، والاسقاطات السياسية على حياة المواطنين، بأسلوب نقدي ساخر وبناء، بلمسة كوميدية سوداء في واقع أظلم نعيشه في مجتمعاتنا من قبل فئة غير مسؤولة تعزز «الطائفية»، وكأن الحلقة تنفيس حقيقي للمعاناة التي نعيشها ووضعت الاصبع على الجرح ومواجهة الإرهاب والتطرف والتعصب المذهبي بسلاح الفكر والكوميديا.
الدراما ينبغي أن تعرض واقعنا بما يحمل من ايجابيات وسلبيات، وأن تقدمه كما هو مسلطة الضوء على مكامن الخطأ في حياتنا، خاصة أن هناك العديد من القضايا الاجتماعية السلبية التي تبقى مخبأة فلا بد من تناولها والاضاءة عليها لتظهر إلى الناس، أما ما هو ايجابي وجميل فنعرضه حتى من دون تجميل. سيلفي نجح هذا العام في أن يغوص في الواقع الحقيقي للمجتمع وللقضايا المتعلقة بها، وبات هناك جرأة كبيرة في الطرح، الأمر الذي قد ينتقده البعض، ولكني أؤيدها، ففي النهاية الدراما تشكل عامل توعية ورسالة تتبنى قضايا المجتمع.
• عز الكلام: ناصر القصبي فنان مبدع متجدد متطور جريء بأفكاره وأطروحاته،سلاحه الفكر والكوميديا، اخترق كل الحواجز والتابوهات ليضع يده على أوجاعٍ داخل مجتمعاتنا وعالمنا العربي بابتسامة واعية مثقفة ذات فكر واعٍِ اجتمعت جميعها في سيلفي.

Comments