زمن أعمى مجنون جاهل
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 2 min read
الخميس, 07 أبريل 2016
خرج كفيف من داره ليلاً وبيده سراج ينير به طريقه، فقابله أحد الناس وسأله: لماذا تحمله وهو لا ينفعك؟
فقال: أحمله كي لا يصدمني المبصرون، لا فائدة للعيون إذا كان العقل أعمى.
من العاقل ومن الجاهل؟
هل المثقف عاقل أم مجنون؟
هل العاقل بالضرورة شخص واع أم أعمى؟ هل العاقل واعٍ بالضرورة باعتباره مطلعاً أكثر من غيره على القيم والأخلاق والثقافات والمنافع والمضار وخلافه.
الوعي الذي أقصده هنا هــو الالتزام بالقيم الأخلاقية والترفع عن التوافه والأشخاص والتصرفات الفردية غير الواعية، والمرونة واللطف في التعامل مع الآخرين والأخذ بأيديهم وعدم تحميل الأشياء أكثر مما تستحق، والتفاؤل والنظر للنصف المملوء وليس النصف الفارغ والبناء وعدم الهدم. ليس كل من تعلم وأخذ أكبر الشهادات وقرأ له كتاباً واعياً.
نجد كثيراً ممن يتمثلون الأخلاق والقيم في خطبهم ومحاضراتهم لا يستحضرونها مثلاً عندما يكتبون مقالات أو يخوضون حوارات على الإنترنت، فنجد كتاباتهم مليئة بقواميس السب والشتم والتجاوزات اللاأخلاقية على مخالفيهم في الرأي.
وفي المقابل قد يكون هنالك أشخاص مستوياتهم الثقافية متدنية ومع ذلك نجدهم أكثر التزاماً بالأخلاق والفضيلة والأدب وأكثر تهذباً في تعاملهم مع الآخرين، وربما أكثر أمانة أيضاً، ونجد بعضهم أكثر وعياً بإدارة حياتهم اجتماعياً واقتصادياً وانفتاحا على الاخر.
وما نراه اليوم من تجادلات وضيق في الفكر قد تكون أهم اسبابه بعض أنواع الثقافة التي تكون مصيبة على صاحبها والمجتمع، وعلى القيم وعلى طريقة التفكير والتعامل والتعاطي مع المستجدات، حيث تصنع ثقة وغطرسة عند صاحبها لا يرى معها إلا نفسه وهو في حقيقة الأمر إنسان جاهل في كثير من جوانب الحياة الأخرى، مع الاسف العمى عمى القلب مو عمى البصر.
يا ترى هل أنت عاقل في زمن المجانين، أم مجنون في زمن العقلاء؟
أم كان المجانين في ذلك الزمان هم العقلاء فعلاً، فكيف مجانين زماننا هذا؟
عقلاء المجانين أولئك كانوا أصحاب حكمة ورؤية وهيامهم على وجوههم ونشرهم لا يتعداهم إلى غيرهم، أما مجانين العقلاء فإن شرهم مستطير وجنونهم خطير وتصرفاتهم تتجاوزهم إلى غيرهم وتؤذي من حولهم.
مجانين العقلاء يقودون أوطانهم وشعوبهم إلى معارك ومغامرات تدمرها إشباعا للشعور بالعظمة، ودخول التاريخ، فكانوا وبالا على الناس والتاريخ.
من العاقل ومن الجاهل في هذا الزمان؟ هل العاقل ذلك المجنون في نظرات ومسامع الجهلاء؟ أم أن الجاهل هو ذلك الفذ والأسطورة في عيون وأسماع الأصدقاء؟ هل تقسيم العقل والجهل هو رتابة في حديث الجلسة والموعد بين الضحكة الساخرة والصمت المطبق بالجهل والبلادة.
العاقل إذا اخطأ تأسف، الجاهل إذا اخطأ تفلسف.
قال الإمام علي عليه السلام:
الجاهل لا يرتدع وبالمواعظ لا ينتفع.
شيء غريب يجعلك تجلس لتفكر وتبحث عن الأسباب ولكنك في النهاية ستكتشفها بكل تأكيد، ستكتشف أن ذلك التناقض نتيجة عدم الإيمان بالفكرة وعدم امتلاك الفكر الواعي، وكذلك هو نتيجة عدم وعيه بالدور الذي أقحم نفسه فيه لغرض معين ومصالح خاصة وحزبية وطائفية أحيانا، وكذلك نتيجة عدم امتلاكه للمهارات التي تمكنه من تحقيق ما يتمناه فيعوضها ببعض المهارات الزائفة التي تنكشف وتزول بسرعة لأن ليس لها جذور، وأسباب كثيرة سوف تكتشفها عندما تفكر. قد يتساءل أحد هؤلاء العقلاء الجهلاء المجانين ويقول لي وما شأنك في هذا.
هو شأني لأنه وطني ومجتمعي وأي مكان يقوده أمثالكم لن ينعم بنور التغيير والتقدم أبداً، لن أسكت طبعاً لأنني لم أتعود على ذلك، فصراحتي جعلت مني عدواً لهؤلاء أنال القسط الأكبر من كرههم وكذلك كل من يقول رأيه فيهم أو يحاول أن يختلف معهم فيكون جزاؤه الكره والاحتقار والتشكيك في ولائه وغيرها من الهجمات. مع الأسف نحن في زمان رأى العقلاء قلة منفعة العقل فتركوه، ورأى الجهلاء كثرة منفعة الجهل فلزموه، يبدو أن هذا الزمان لا يريد أن ينتهي.
زمن أعمى مجنون جاهل.

Comments