اللي ماله أول ماله تالي
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 3 min read
الخميس, 21 أبريل 2016
انتهت حياتي لم يعد لي فائدة، أصبحت رقماً في طابور خط النهاية، مكتئب يتوارى عن أهله وأصدقائه، فهيبته بعد التقاعد تضمحل، وحضوره الاجتماعي يقل، ويظن أن رأيه لا يؤخذ به، ودائماً ما يكرر عبارة «أنا صرت متقاعداً»، مالي لازمه يالله حسن الختام. أفكار خاطئة ومعتقدات ومفاهيم بالية لا تتناسب مع القرن الواحد والعشرين عصر التكنولوجيا والعولمة والتطور السريع، الحياة فيه تبدأ بعد الستين، والتقاعد ليس نهاية الحياة هي البداية وأجمل مراحل العمر، وحاليا التقاعد اصبح مبكرا فهناك متقاعدون في العقد الرابع والعقد الخامس، هل يعني ذلك ان الحياة انتهت أكيد لا. هي بداية عمر جديد بتجارب ونجاحات واخفاقات جديدة.
التقاعد مصطلح وظيفي فرضته قوانين العمل، ليحل موظف بدل موظف آخر، ولكنه ليس حكما على الانسان بالموت، ولا منعا له من العطاء في ميادين أخرى، وفرصة لاكتشاف الذات والجلوس مع النفس وتقييم امكاناتها بعد سنوات طوال من العمل، ومعارك مع الحياة، يتفرغ فيها الشخص إلى حياته الخاصة وممارسة أوجه الحياة التي كانت زحمة العمل تعوقه عنها فيكتشف فيه مهارات جديدة قد يتفرغ لها.
المتقاعدون بخبراتهم وتجاربهم في العمل والحياة لا يعارضون مبدأ العمل بعد المعاش، وذلك تطوعاً أو بأي شكلٍ رمزي، أو بكامل الأجر ان كان ذلك بالامكان، ولكن شريطة أن يتناسب التعيين المؤقت بطريقة وأسلوب علمي فعال مع أعمارهم ووضعهم الاجتماعي، الامر الذي يعود بالنفع على الدولة والمجتمع وجهة التعيين، وهو الامر الذي يتطلب دراسة متأنية.
مع الاسف في بلداننا التعامل مع المتقاعدين يركز على الجوانب الاجتماعية والنفسية بعيدا عن الاسس الاقتصادية والتنموية التي تستهدف اعادة دمج هذه الفئة في منظومة العمل والانتاج، كما أن الاهتمام بهم في هذا الجانب له عوائد اقتصادية، وأمان تعود بالنفع، وتعزز الولاء والانتماء الوظيفي في المؤسسات ذاتها والمجتمع كله، حتى لا يشعر الانسان بأنه مجرد آلة تنتهي مدتها بانتهاء مفعولها وعملها. خاصة أن عدداً من القطاعات الرائدة في المجتمع لا يتأثر العطاء فيها بالسن، المتقاعد طاقة عمل وانتاج اكتسبت خبراتها عبر سنوات طويلة يصعب تعويضها بمجرد اضافة أعداد مماثلة من الطاقات الجديدة على سوق العمل، ومقدرتهم على الاسهام بالرأي والتوجيه بالرغم من تقدمهم في السن.
الاهتمام بالمتقاعد من خلال الاستفادة من خبراته رسالة لكل الشباب الذي يعمل بجد واجتهاد أن المجتمع لن ينساه في كبره ووضع له البرامج التي تكفل له حياة كريمة في كبره، وبالتالي سيزيد اهتمامه بعمله وتقديره لمجتمعه. وتصحيح للأفكار والمفاهيم التي توارثتها مجتمعاتنا عن المتقاعدين ومرحلة التقدم بالعمر أنها مرحلة العجز وفقدان القدرة على مواصلة العمل والنشاط، لذلك فان استمرار المتقاعد في العمل والعطاء ومشاركته الايجابية في مختلف مجالات الحياة لا يعني تأمين الجانب الاقتصادي له، فان هذا الجانب على أهميته بالنسبة للمتقاعد يبدو أقل أهمية بالنسبة للجوانب الأخرى التي يحققها العمل والنشاط في حياته.
بدلاً من حرمان المجتمع من عطائهم وجهودهم خاصة أن لديهم قدرات كاملة يتمثل بعضها في وفرة الوقت والخبرة، وحاجتهم إلى تحقيق الذات والشعور بالقيمة والرضا عن النفس، وجب علينا الاستفادة من هذه الكنوز المدفونة تحت مسمى «متقاعد» عاطل عن العمل بحكم السن، واستثمارها لصالح المجتمع في برامج ومشروعات تلائمهم في تحقيق الذات والشعور بالقيمة والرضا عن النفس، وكثيرون هم من لديهم رغبة كبيرة في العمل بعد التقاعد خاصة في الأعمال المشابهة لأعمالهم قبل تقاعدهم، أو الرغبة في المشاركة في أعمال تطوعية مع المؤسسات الخيرية أو الجمعيات التي تخدمهم.
الأمل موجود أن نرى حكوماتنا ومجتمعاتنا المدنية تسعى للارتقاء بجهود خدمة المتقاعدين واستثمارها تنمويا كجزء من منظومة الانتاج والتطوير، وبلادنا في حالة تنمية، وتحفها الكثير من المشاكل والصعاب، وتحتاج لعقول جبارة لإدارة دفة التحول والتطوير، واستثمار الفرص التي تنهض بمجتمعنا في كل مناحي الحياة، المتقاعدون كنوز لا تقدر بثمن لا تضيعوهم.
والمثل يقول «اللي ماله أول ماله تالي».

Comments