top of page

الصامتون على الأرض

  • Writer: عبير مبارك
    عبير مبارك
  • Dec 29, 2018
  • 3 min read

الأربعاء, 06 أبريل 2016

كثيرا ما نقول إن الحياة غير عادلة ولا تتصرف بمساواة مع الجميع، ونتذمر من هذا وذاك، ما أقصده من الممكن أن يكون، منا من فوت فرصة ومن بقي حلمه غير مكتمل، ومن الممكن أن يكون هناك أحد منا لم يستطع تحقيق خططه، ولكن عندما ندير رأسنا وننظر إلى الجهة الأخرى، نلاحظ أننا في الكفة الثقيلة من ميزان العدالة، وان كنّا نمتلك ضميرا فيما بعد، فنحن نترحم من لم تتصرف الحياة معه بعدل، ما أكثرهم في هذا العالم الخالي من الإنسانية، هؤلاء ليسوا بحاجة للرحمة بل بحاجة لعدل.

ما أصعب على المرء من خسارة كل شيء، وطن ومنزل وعائلة، يخرج ذليلاً ومنكسراً من دون مأوى أو ملجأ، ولو تخيلنا ما أصاب هؤلاء اللاجئين أننا نحن من يتعرض لهذا الذل والهوان وقسوة الزمان، لأدركنا خطورة التوقف متفرجين مكتوفي الأيدي، نلوح ونسخط من دون فعل يذكر أو موقف يتخذ بحقهم في احتواء أزمتهم ومساندتهم في فتح أبوابنا وقلوبنا لهم.

في الحياة، يكتب كل شيء ومن ضمنها المواقف العظيمة، فاما أن ترفعنا فوق، واما أن تهبط بِنَا أسفل السافلين، الإنسان لا يدرك معنى المهانة والتشرد إلا بعد أن يتذوق حرارته، ويعيش اليتم الفعلي حينما يفقد وطناً كبيراً، كان يوماً يحتويه. ونحن عشناه في الكويت عام 90 لكن الله كان لطيفا بنا في ذلك الوقت فقد انعم علينا بحكام عملوا على توفير العيش الكريم لشعبهم واشقاء فتحوا أوطانهم وبيوتهم لنا، لكن رغم ذلك الوطن لا يعوض فهو كالام من يفقده يتيم، وترابه بيت ما يعوضه أي بيت ولو كان قصراً.

اليوم وما يحدث مع هؤلاء المستضعفين، من لا حول ولا قوة لهم، من ذل ومهانة واغتصاب في عقر دارهم من هؤلاء الظلاميين الغزاة رايتهم سوداء وقلوبهم سوداء، وعندما يخرجون هاربين يذوقون الأمرّين، ويموتون مرات عدة، وبالاخص من يحملون معهم أطفالهم ونساءهم وكبارهم، عندما يتعرضون للغرق ينجو من ينجو ويموت من يموت، وان لم يواجه الموت واجه المنع أو الطرد، وكأنهم كلاب ضالة لا يعلم هل يبكي أم يضحك على قدره.

ونجدهم صامتين أمام هذا القدر لكن عيونهم تصرخ. كم من مشاعر غاضبة وساخطة تعترينا لحالنا كبشر، اين الرحمة والأخوة؟ ما معنى الأشقاء والدم يا أمة العرب؟

لم الحرب لم التقاتل لا نريد إلا وطناً يأوينا؟ لم كتب علينا التشرد ونحن كان لنا وطن كبير عشنا فيه اجمل الذكريات؟ لم كتب على طفلي أن يكون مشرداً في بقاع الأرض يبحث عن ملجأ بدلا من أن يذهب كل صباح إلى المدرسة، ويلعب مع أقرانه في الجوار؟ ألا يكفي فلسطين واحدة؟ لم أصبح الجميع فلسطين لكن بيد إسلامية؟ مع من نتشارك معهم «اشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله».

هم كل ما يحتاجون الآن إلى أرض ومأوى يأويهم باستقرار وأمان وان كان مؤقتاً، يحفظ كرامتهم كبشر، ويحفظ أعراضهم وطفولتهم وجوعهم النفسي والمعنوي قبل الجسدي المادي الذي استُنزف من سنوات، فلا يخفى علينا ماذا تعاني نفسياتهم من الصدمة الواقعة عليهم، وشعورهم بالاحباط وعدم الاستقرار النفسي والمعنوي، مما يجعلهم يخوضون مخاض الألم والنزف النفسي مئات المرات، واضطرابات الصدمة وما بعد الصدمة، يجعلهم في وضع عدم التركيز والانتباه وفقدان الثقة في كل شيء، والخوف من المجهول والعيش في الاكتئاب وخيبات الامل والاحباط واسقاطه على أنفسهم أو ذويهم أو حتى التفكير في الانتحار عبر حزام ناسف ينفجر في كل مكان، فهم في حال صدمة عنيفة تعطل الفكر وتجعلهم يجازفون في كل شيء، وأدمغة سهلة يتم غسلها من قبل الظلاميين ليكونوا قنابل موقوتة تنفجر في أي زمان ومكان؟

قد تكون الرحمة سلاحاً مؤثراً يصل للقلب، ولكنها تسبب جروحا لا يمكن شفاؤها حتى الأبد، برأيي علينا أن ندع رحمتهم جانبا ونصغي لأصواتهم، لا أن نصغي إلى ما يقولونه، بل إلى ما لا يقولونه، لأن صمت الإنسان هو أقرب إلى الحقيقة من كلامه.

من أروعِ ما وقعَت عليه عيني اليوم، هذا البيت للشاعرِ النبيل يحيى الحمادي:

ألا لـيتَ «الشُّـرورَ» بلا نقـاطٍ

وليتَ «الحربَ» كانت دونَ راءِ


 
 
 

Recent Posts

See All
الكتاب.. في معرض الكتاب.

الكتاب ينأى بنا عن ضجيج الحياة يأخذنا حيث الهدوء والخيال والحكمة والتفكر والراحة يفتح الافاق في عقولنا ويزيل الجهل. رحلة جميله إلى عالم...

 
 
 
اقتصاد الترفيه والسعادة المجتمعية

يتألف الاقتصاد من أربع قطاعات أساسية هي: القطاع الأول كالزراعة والصيد والتعدين، والقطاع الثاني التصنيع، والقطاع الثالث الخدمات، والقطاع...

 
 
 
بلدية الكويت.. بعد التحية

الزراعة المنزلية اتجاه بدأت تتبناه الكثير من المدن التي تفكر بالمستقبل، وهي إحدى الممارسات التي تعود على الفرد بالعديد من الفوائد، من حيث...

 
 
 

Comments


Post: Blog2_Post
bottom of page