الثوب اللي أطول منك يعتك
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 3 min read
الخميس, 12 مايو 2016
قالت جدتي ذات مرة «إن قلوب الأطفال بريئة ونقية وعلى الفطرة، لم تعرف الكذب ولا المجاملات بعد، فوجودك في محيط هذا النقاء يضيء الطريق، ويجعلك تؤمن بأن هناك أملا حتما في نهاية الممر الضيق». أصبحنا نعيش زمن الماديات والمظاهر فيه مزيفة، وأصبحت هي المتربعة في جانب العلاقات العائلية، ولها الأولوية في تحديد نظرتنا للآخرين، بعد أن كانت في السابق لا يعير لها الشخص أي اهتمام، انت مميز بما ترتديه من ماركات ومن لديه طابع خاص في الحديث مع الناس، ولو كانت تلك الأشياء مزيفة. المجتمع أصبح الآن يبحث عمن يمتلك المال الوفير، والشكل المميز، وكذلك العلاقات الاجتماعية المتنوعة، حتى يكسبه لذاته أولاً، معتقداً أن احترام الناس له سيكون بسبب ذلك الشخص، وعلاقته القوية بهذه الشخصيات. كل هذا الحال اللي أصبحنا عليه ونسأل لماذا انتشر الفساد في مجتمعنا؟ ولماذا الناس صارت غير الناس؟ اكيد لأن المظاهر تحتاج إلى الكثير من المال، وألا انت مو من «مواصيلنا» لم يعد للعقل، والاصل، والاخلاق قيمة أصبحت المظاهر هي جواز سفرك للناس في مجتمعاتنا اليوم، لاتحمل في طياتها سوى المصلحة بغض النظر عن القرابة وصلة الرحم، انزاح فيه المجتمع إلى ذلك النوع من المظاهر حتى افتقدنا صدقنا في صلة الرحم والتودد والألفة، وهذا اختلال في جانب التواصل الاجتماعي وحصره في مظهر الشخص لا بذاته، مع الاسف المكانة الاجتماعية طغت على المكانة الأسرية. عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَنْطِقُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ». انقلاب المعايير لدى الناس وفساد التصور الذي يجعل الانسان يحب المذاق المر الحامض ويرفض الحلو الطازج دليل على مدى التغير الكبير الذي أصاب النفوس ودليل على الفساد الكبير الذي نعيشه اليوم، التقييم حسب المظهر هو ما يجعل الاشخاص كل عام يخسرون شخصيات رائعة مرت عليهم، وخذلوهم بسبب تقييم خاطئ حكموا على الظاهر وابتعدوا عما تخفيه الدواخل، ثوب يلبسه البعض ليضللوا الفكر عن التعمق في دواخلهم، كثيرون من يجعلون المظاهر الخارجية أساساً لكي يعيشوا من أجله، ومع الأيام نكتشف زيف الحقيقة التي أخفوها خلف ستار المظاهر. المظاهر لا تستنزف جيوب الأشخاص ومالهم فقط، فهي تهلك داخلهم مع الأيام تذيب شخصيتهم وتصهرها لتخفي ما بقي لديهم من قيم فتجعلهم يخسرون في كل يوم يتقدمون في سلم مظاهرهم. لكن بقي هناك من لم يصب بهذا الوباء وفقد نفسه وذاته «ولبس ثوب موثوبه». مازال هناك من لا ينخدع بهذه المظاهر ويبحث عن العقل وحين يخاطب فهو يخاطب العقول لا الألسنة ولا المظاهر. اقول «الثوب اللي أطول منك يعتك» حين يشعر البعض بالحسرة والمرارة لأنه لا يملك أموراً معينة يمتلكها غيره، ويرغب في هذه الامور لكنه لا يملك المال ويشعر بالاسى والغيرة والحسد، وفيضطرون للقروض، والطلاق أحيانا لأن الزوج لا يحقق الرغبات المادية، ولا نسافر لندن واسبانيا في الصيف، يرفض تسجيل الأبناء في مدارس اجنبية، والاهم التحدث بطريقة معينة للفت النظر والتميز بين الناس، والخضوع لعمليات التجميل.. الخ. مظاهر خداعة مزيفة زادت وزاد معها الفساد بكل شيء والتفكك الاسري وغابت معايير وقيم عن مجتمعاتنا قيمة الانسان في ما يلبس، واين يسكن، ونوع سيارته. واقع ملوث ومظاهره خداعة، أكسدة العقول، والأغلبية في أمنياتها وأهدافها أغراض ملوثة من دنياهم. ولا بد أن نفرق بين حب المظاهر والطموح المشروع فمن حق كل انسان أن يتطلع للأفضل، ومن حق كل انسان أن يظهر بمظهر أفضل، لكن شرط أن يكون ذلك في حدود امكاناته لا امكانات «فلان»، لكن تبقى الحياة أجمل ما فيها أن نعيشها كما نريد وليس كما يريده الآخرون. عز الكلام: في زمن الماديات اصبح الجلوس بمفردك أجمل من جلوسك مع اشخاص ينظرون لماركة حذائك قبل عقلك.

Comments