الباب يفوت أمل
- عبير مبارك
- Dec 29, 2018
- 3 min read
الخميس, 05 مايو 2016
ما شاهدناه في حلب مدينة الثقافة الإسلامية والحضارة من جرائم قتل بشعة كارثة إنسانية وحضارية ليس لها مثيل ادمت القلب ولكن لماذا يا أمة العرب؟
من مساوئ الحروب أن وقودها وأكثر ضحاياها من البشر، ومن اطلق صفارة البدء وعرف كيف تبدأ، ولماذا تبدأ، واساسا لماذا بدأت مع الأسف لا يعلم بتاتا متى تنتهي.
لماذا أصبح عالمنا العربي تتقاذفه امواج الفتن والفوضى والصراعات من كل اتجاه؟
يقال من جعل نفسه سبوس لعبت به الدياي «الدجاج».
فمن يبدأون الحروب أو يشاركون فيها لا يعلمون متى النهاية، فقد أوجدت أنصاراً ومتحمسين، ومستفيدين، وتجار حروب شغلهم الشاغل صب الماء على الزيت لمصالحهم وطز فيك يا إنسان، انت رقم من أرقام تولد وأرقام تموت لا غير.
فتاريخ منطقة الشرق الأوسط وجغرافيتها، جعلت منها ساحة كبيرة للكثير من الاصطفافات والانقسامات والتجاذبات. ولم تشهد هذه المنطقة منذ عقود من الزمن الأمن والاستقرار، ولم تتنفس صعداء الحرية والسلام، ولم تحظ بمظاهر الطمأنينة والأمان، بل ان الأزمات والنكبات والاضطرابات التي لا تنتهي اعاقت المجتمعات والشعوب عن تحقيق احلامها وتطلعاتها، إلا أن ما نعيشه اليوم يكاد يكون الاكثر خطورة وتهديداً لمستقبلها، بوجود التطرف والعنف المذهبي حيث أصبحت كالسوس ينخر في جدار مجتمعاتنا، وسبب رئيسي في اشعال حروب تقف خلفها أجندات قوى دولية واقليمية توظف الصراع وفقا لأهدافها وتحقيقا لمصالحها، وتكتب بدماء شعوبنا الإسلامية الفصل الأخير من حياة بعض شعوب المنطقة وفناء ومسح لتاريخها وحضارتها العريقة. كل حرب بلا هدف وبلا نهاية ستتوالد وستطول وستأكل الاخضر واليابس وأجيال من البشر، وتصبح عادة يومية نراها ونسمعها حتى أحاسيسنا تتبلد والاخبار العاجلة تصبح اعتيادية تمر مرور الكرام تتبلد فيها أحاسيسنا.
يقول جورج برنارد شو: «أسوأ خطيئة نرتكبها في حق غيرنا من المخلوقات هي، ليست كرههم، بل عدم الاكتراث بهم، وهذا هو جوهر الإنسانية»، وحين نتحدث عن أزمة الأخلاق، فهذا هو منبعها.
أي قدر هذا لمن يموت قهرا وقبل الأوان، وأي حياة لمن يبقى على قيد الحياة في وطن وهو مهدد بالموت في كل لحظة وثانية لا يعلم هل ستشرق عليه شمس الغد أم أن ليله طويل وقد ينام في سبات عميق لا استيقاظ بعده.
خليني احكي لكم قصة «الدب الواقف» وما الذي يجمع بين هذا الهندي الأحمر والمواطن الحلبي خاصة والعربي عامة؟
قبيلة البونكا، التي عانت الأمرين منذ أن اقتلعتها الحكومة الأميركية من أرض أجدادها قسرا وفرضت عليها الاقامة الجبرية في أرض وعرة هي بطل أغرب قضية سمعتم بها: قضية ضد الحكومة الأميركية، لمطالبتها بالاعتراف بالدب الواقف كشخص، كإنسان، حاول محامي الحكومة طوالها اثبات أن الهنود الحمر همج بلا عقول أو مشاعر «وهذا أصلا كان مبرر الحكومة لمعاملتهم كممتلكات وليس كأشخاص يحميهم القانون». بعد انتهاء الجلسات، استدعى القاضي الدب الواقف الى المنصة، فحكى للحضور عن معاناة قبيلته، ثم اختتم كلمته بهذه العبارات: «هذه اليد ليست بلون أيديكم. لكني لو جرحتها فسأتألم. واذا جرحتم أنتم أيديكم فستتألمون أيضا، فالدم الذي سينزف من يدي سيكون له نفس لون دمائكم.. أنا إنسان.
«أنا إنسان»، كانت صرخة الدب الواقف، وهي الصرخة التي تردد صداها اليوم على ألسنة أبناء هذه البقعة المنكوبة من الأرض، وعلى لسان حالهم. لكن لماذا كان على الدب الواقف أن يدافع عن إنسانيته؟ ولماذا كانت إنسانيته موضوع تساؤل أصلا؟
لأننا نعيش في عصر صراعات السياسيين المتنازعين على السلطة وملوك الطوائف غير المدركين لإنسانية هذه الشعوب وقيمة كل قطرة دم تقع من امرأة وطفل وشيخ ومواطن بسيط هدفه الوحيد البحث عن الرغيف وقوت يومه والوصول اليه. يا ترى من يقرأون التاريخ الحديث أيعقل ألا تنبض قلوبكم بالإنسانية؟
الأمل بالأجيال الجديدة التي لا أشك في أنها ستعي تماما أبعاد ما حدث ويحدث وأنها ستدرك أن الخلافات التي تؤدي الى الحروب بين الأخوة ينبغي أن يتم احتواؤها قبل ان يتسع نطاقها وتتحول الى حروب يصعب ايقافها وألا ننسى أن ذلك الآخر هو في النهاية إنسان، ومازال الباب يفوت أمل.

Comments